عباس حسن
39
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
« فالق الإصباح ، وجاعل الليل سكنا « 1 » » ؛ فجعل الليل سكنا أمر لا يقتصر على زمان دون آخر ؛ فقد وقع في الماضي ، وهو يقع الآن ، وسيقع بعد ذلك . غير أن الكلام فيه ما يقوى جانب الحال والمستقبل على الماضي ، ويجعل الإضافة غير محضة ؛ هو أنّ المحضة تقتضى - غالبا - أن يكون المضاف اسما جامدا ، أو في حكم الجامد ، فلا يعمل ؛ وهذا يؤدى إلى اعتبار كلة : « جاعل » في حكم الجامد ؛ فلا تنصب مفعولا به ، ولا مفعولين ، وإلى إعراب كلمة : « سكنا » المنصوبة ، مفعولا به لعامل محذوف ، تقديره « يجعل » ، أو ما يماثله ، وكأن الأصل : جاعل الليل يجعله سكنا . وفي كل هذا عدول عن النسق الظاهر ، والإعراب الواضح الذي يدخل الوصف « جاعل » هو وفعله في سلك الألفاظ العاملة التي تنصب مفعولين . وقد أضيف الوصف إلى أحدهما ، ونصب الثاني مباشرة ، فلا حاجة إلى تأول وتقدير يبعدان عن هذا السنن الواضح . وشئ آخر ؛ هو : أن زمن الوصف في الآية دائم مستمر ؛ يشمل الماضي والحال ، والمستقبل . ولكن هذا الدوام الزمنى ليس متصل الأجزاء بغير انقطاع ، وإنما يتخلله انقطاع يزول ، ثم يعود مرة ، فأخرى ؛ فحين يجعل اللّه الليل سكنا يكون الليل موجودا ، وحين لا يجعله سكنا يختفى . ثم يجعله مرة أخرى ؛ ثم يزيله ، ثم يعيده ؛ وهكذا ، دواليك ؛ . . . فالاستمرار موجود حقّا ؛ ولكنه على ما وصفنا ؛ من توالى الإيجاد والإزالة بغير توقف ، ومن تجدد الظهور والاختفاء بغير انقطاع « 2 » أما الدوام المتصل على حالة واحدة ، - هي : جعل الليل سكنا في جميع لحظات الزمان وأوقاته - فلا وجود له . ولما كان الانقطاع والتجدد هما من خصائص الفعل المضارع ، وزمن المضارع هو الحال أو الاستقبال - كان الوصف ( المشتق ) الذي يشاركه فيهما شبيها به من الناحية المعنوية ، ومحمولا عليه في ناحية أخرى ، هي
--> ( 1 ) شيئا يستريح إليه المتعب بالنهار ، ويسكن للراحة والاطمئنان فيه . ( انظر ج « ص » 40 ) ( 2 ) وهذا يسمى : الاستمرار المتجدد ، أو الاستمرار التجددي . وله إشارة أخرى في رقم 4 من هامش ص 247 ، وفي رقم 2 من هامش ص 282 .